المخاطر القانونية في عقود المقاولات والإنشاءات (FIDIC) وكيف تعالجها
عقود FIDIC هي صيغ نموذجية دولية لعقود المقاولات، وأبرز مخاطرها القانونية في السعودية تنشأ من تطبيقها دون مواءمة مع نظام المعاملات المدنية ونظام التحكيم ونظام المنافسات والمشتريات الحكومية: شروط الإخطار المسقطة للحق، ومسؤولية المقاول والمهندس عن سلامة البناء التي لا يجوز الاتفاق على إسقاطها، والشرط الجزائي الذي يملك القاضي تعديله، وبند تسوية المنازعات متعدد المراحل. وتُعالَج هذه المخاطر بشروط خاصة مصاغة بعناية لا بحذف البنود.
7 دقائق قراءة · أكتوبر 2026
تُستخدم صيغ FIDIC (الكتاب الأحمر والأصفر والفضي وغيرها) في كثير من مشاريع البنية التحتية والعقار في المملكة، سواء بنصها الأصلي أو بوصفها مرجعًا تُشتق منه الشروط الخاصة. لكن المخاطر القانونية في عقود المقاولات والإنشاءات (FIDIC) لا تأتي من الصيغة نفسها، بل من تطبيقها كما هي في بيئة نظامية لها قواعد آمرة لا يجوز الاتفاق على خلافها. يستعرض هذا المقال أهم تلك المخاطر وكيفية معالجتها في الشروط الخاصة، وفق ما نُشر حتى أكتوبر 2026.
لماذا لا تكفي صيغة FIDIC وحدها في السعودية؟
صيغ FIDIC مكتوبة على افتراض حرية تعاقدية واسعة وقضاء يطبق نص العقد بحرفيته. وفي المملكة يسري على عقد المقاولة نظام المعاملات المدنية الذي يتضمن أحكامًا خاصة بعقد المقاولة وبالتعويض والشرط الجزائي، بعضها آمر وبعضها مكمل لإرادة الطرفين. كما تخضع العقود الحكومية لنظام المنافسات والمشتريات الحكومية ونماذج العقود المعتمدة، ويخضع التحكيم لنظام التحكيم ولائحته.
النتيجة أن بنودًا تبدو محكمة في النص الدولي (مثل سقوط حق المقاول في المطالبة لمجرد تأخر الإخطار، أو حصر مسؤولية المقاول عن العيوب في مدة قصيرة) قد لا تُنفَّذ أمام القضاء السعودي أو هيئة تحكيم تطبق النظام السعودي، فيجد الطرف الذي اعتمد عليها نفسه بلا حماية.
خريطة المخاطر القانونية في عقود FIDIC
| البند | الخطر في التطبيق السعودي | المعالجة المقترحة في الشروط الخاصة |
|---|---|---|
| الإخطارات المسقطة للحق (المطالبات) | قد يرى القاضي أن إسقاط حق أصيل في التعويض لمجرد تأخر الإخطار تعسف، فيُخفف أثره | الإبقاء على مهلة الإخطار مع ترتيب أثر متدرج: تخفيض التعويض بقدر الضرر الناتج عن التأخر بدل الإسقاط الكامل |
| التعويضات المحددة عن التأخير | يُعامل كشرط جزائي يملك القاضي تعديله إذا كان مبالغًا فيه أو لم يقع ضرر | تقدير واقعي للضرر المتوقع، وتوثيق أساس الحساب، وسقف واضح |
| مسؤولية العيوب وسلامة البناء | مسؤولية المقاول والمهندس عن تهدم البناء وعيوبه الجسيمة مقررة نظامًا ولا يجوز الاتفاق على إعفاء منها | الإبقاء على فترة الإخطار بالعيوب التعاقدية مع الإشارة إلى أن المسؤولية النظامية تبقى سارية |
| دور المهندس | المهندس يُعيّنه صاحب العمل ويدفع أتعابه، فقد يُطعن في حيدة قراراته | تحديد الصلاحيات، وآلية اعتراض زمنية، ولجنة فض منازعات مستقلة |
| القوة القاهرة والظروف الاستثنائية | النظام السعودي يفرّق بين القوة القاهرة (استحالة التنفيذ) والظرف الطارئ (إرهاق التنفيذ) | تعريف الحالتين تعاقديًا وتوزيع أثر كل منهما على المدة والسعر |
| تسوية المنازعات | بند متعدد المراحل غامض قد يُعد غير قابل للتنفيذ أو يؤخر اللجوء للتحكيم | مراحل محددة بمدد واضحة، ومكان التحكيم وقواعده ولغته منصوص عليها |
الخطر الأول: شروط الإخطار المسقطة للحق
تشترط صيغ FIDIC أن يُخطر المقاول المهندس بالحدث الذي يستوجب تمديد المدة أو تعويضًا إضافيًا خلال مدة محددة، وإلا سقط حقه. وهذا الشرط صالح من حيث المبدأ بوصفه اتفاقًا على كيفية ممارسة الحق، لكن النظام السعودي يمنح القاضي سلطة تقدير ما إذا كان الشرط يؤدي إلى إثراء طرف على حساب آخر دون سبب. فالمعالجة الذكية هي الإبقاء على الانضباط الزمني مع ترتيب جزاء متناسب، لا الاعتماد على الإسقاط الكامل الذي قد لا يُنفَّذ.
ومن جهة المقاول، يبقى الالتزام بالإخطار في مواعيده هو الحماية الأولى، لأن إثبات الحق بعد فوات الموعد يحمّله عبء إثبات أن التأخر لم يضر صاحب العمل.
الخطر الثاني: التعويضات المحددة والشرط الجزائي
يقرر نظام المعاملات المدنية أن للطرفين تحديد مقدار التعويض مقدمًا في العقد، لكن للقاضي أن يخفضه إذا كان مبالغًا فيه بدرجة كبيرة أو إذا لم يقع ضرر، كما يجوز له الزيادة في أحوال محددة كالغش أو الخطأ الجسيم. لذلك فإن بند التعويضات المحددة عن التأخير في FIDIC ليس «مبلغًا مقطوعًا محصنًا»، بل تقدير قابل للمراجعة القضائية. راجع تفاصيل التعويض عن الإخلال في مقالنا عن دعوى التعويض عن الإخلال بالعقد.
وينبغي الحذر أيضًا من بنود «السقف الإجمالي للمسؤولية»؛ فهي نافذة فيما يتعلق بالتعويضات التعاقدية، لكنها لا تحمي من المسؤولية عن الغش أو الخطأ الجسيم، ولا من المسؤولية النظامية عن سلامة البناء.
الخطر الثالث: مسؤولية المقاول والمهندس عن سلامة البناء
يقرر نظام المعاملات المدنية مسؤولية المقاول والمهندس المعماري بالتضامن عما يحدث خلال مدة يحددها النظام من تهدم كلي أو جزئي فيما شيّداه أو من عيوب تهدد سلامة البناء، حتى لو كان العيب ناشئًا عن الأرض أو أجازه صاحب العمل، ويقع باطلًا كل شرط يقصد به إعفاؤهما من هذه المسؤولية أو الحد منها. وهذا يختلف عن «فترة الإخطار بالعيوب» في FIDIC (سنة غالبًا) التي تنظم التزام المقاول بإصلاح العيوب الظاهرة بعد التسلم؛ فالفترتان تعملان معًا ولا تحل إحداهما محل الأخرى.
ولتفاصيل ما يملكه مشتري الوحدة النهائي تجاه هذه العيوب، راجع مقالنا عن حقوق المشتري عند ظهور عيوب خفية في العقار.
الخطر الرابع: دور المهندس ولجنة فض المنازعات
تمنح FIDIC المهندس صلاحية إصدار قرارات (Determinations) في المطالبات والتغييرات، وتفترض أنه يتصرف بإنصاف رغم تعيينه من صاحب العمل. وفي الممارسة السعودية كثيرًا ما يُطعن في قراراته أمام هيئة التحكيم. المعالجة هي تحديد صلاحياته صراحة، وتقييد تعديل العقد الجوهري بموافقة الطرفين، وتفعيل لجنة تجنب وفض المنازعات (DAAB) بأعضاء مستقلين وبمدد ملزمة، مع النص على أن قرار اللجنة ملزم مؤقتًا إلى أن يُفصل في النزاع.
الخطر الخامس: بند تسوية المنازعات والتحكيم
بند التحكيم في FIDIC يفترض الإحالة إلى قواعد غرفة التجارة الدولية؛ وفي المشاريع الحكومية لا يجوز الاتفاق على التحكيم إلا بعد موافقة الجهة المختصة وفق نظام المنافسات والمشتريات الحكومية ونظام التحكيم. وفي المشاريع الخاصة، يُفضَّل تحديد المركز السعودي للتحكيم التجاري أو مركز آخر معروف، ومقر التحكيم ولغته والقانون الموضوعي، وعدد المحكمين. ولمعرفة ما يتغير في مشروع نظام التحكيم الجديد، راجع مقالنا مشروع نظام التحكيم السعودي: ما الذي يتغير؟.
مخاطر إضافية: أوامر التغيير والضمانات البنكية
تُعد أوامر التغيير المصدر الأول للنزاع في المشاريع السعودية. تسمح FIDIC للمهندس بإصدار تعليمات تغيير يلتزم المقاول بتنفيذها ثم يُسعَّر الأثر لاحقًا، وهنا يقع الخلاف حول ما إذا كان العمل تغييرًا مدفوعًا أم جزءًا من النطاق الأصلي. المعالجة هي اشتراط أمر تغيير مكتوب من شخص محدد، وجدول أسعار مرجعي للتسعير، ومهلة لتقديم عرض السعر والرد عليه، والنص على حق المقاول في التوقف عن تنفيذ التغيير غير المسعَّر بعد إخطار.
أما الضمانات البنكية (ضمان الأداء وضمان الدفعة المقدمة) فهي في الممارسة السعودية غير مشروطة وقابلة للمصادرة بمجرد الطلب، ما يجعل مصادرتها التعسفية خطرًا حقيقيًا على المقاول. ويُنصح بربط المصادرة بإخطار مسبق بالإخلال ومهلة للتصحيح، وتحديد مدة الضمان وآلية تمديده وتخفيضه مع تقدم الإنجاز، وإلا تحوّل الضمان إلى أداة ضغط بدلًا من أداة تأمين. وللمقاول عند المصادرة التعسفية طلب التعويض، وقد يُنظر في وقف المصادرة إذا ثبت التعسف الواضح، وفق ما يقدره القضاء في كل حالة.
قائمة مراجعة قبل التوقيع على عقد FIDIC
- حدد الصيغة المناسبة لطريقة الإسناد: الأحمر للتصميم من صاحب العمل، والأصفر للتصميم والبناء، والفضي لتسليم المفتاح، ولا تخلط شروط صيغتين.
- راجع الشروط الخاصة بندًا بندًا مقابل أحكام نظام المعاملات المدنية الآمرة، وأبقِ على المسؤولية النظامية عن سلامة البناء دون تعديل.
- أعد صياغة بند الإخطارات بأثر متدرج، وحدد قنوات الإخطار الإلكترونية المعتمدة.
- قدّر التعويضات المحددة تقديرًا موثقًا، وضع سقفًا، واستثنِ الغش والخطأ الجسيم.
- اضبط آلية أوامر التغيير: من يملك إصدارها، وكيف تُسعَّر، ومتى يحق للمقاول التوقف.
- عرّف القوة القاهرة والظرف الطارئ، ووزّع أثر كل منهما على المدة والسعر، وأدرج تغيّر الأنظمة والرسوم.
- تحقق من الضمانات البنكية (الابتدائي والنهائي والدفعة المقدمة) وشروط مصادرتها وتمديدها.
- اكتب بند تسوية المنازعات بمدد محددة لكل مرحلة، واختر مركز التحكيم ومقره ولغته والقانون الواجب التطبيق.
أخطاء شائعة
- ترجمة النص الإنجليزي ترجمة حرفية: مصطلحات مثل Time at Large أو Fitness for Purpose لا تقابلها مفاهيم سعودية مطابقة، ويلزم إعادة صياغتها بما يعبّر عن المقصود.
- النص على أولوية النسخة الإنجليزية في عقد سيُنظر أمام قضاء سعودي: المحكمة تطلب ترجمة معتمدة، والخلاف بين النسختين يُحسم غالبًا بما يفهمه القاضي من النسخة العربية.
- حذف بند لجنة فض المنازعات لتوفير التكلفة: يؤدي إلى تراكم المطالبات حتى نهاية المشروع ونزاع واحد ضخم.
- الاعتماد على سقف المسؤولية لتغطية عيوب سلامة البناء: المسؤولية النظامية لا تُسقَط بالاتفاق.
- إغفال متطلبات العقود الحكومية: استخدام FIDIC في مشروع حكومي دون الالتزام بنموذج العقد المعتمد وموافقات التحكيم يعرّض البند للبطلان.
- عدم توثيق الموقع والجدول الزمني الأساس: من غير جدول أساس معتمد يصعب إثبات التأخير أو استحقاق التمديد.
متى تحتاج إلى محامٍ؟
تحتاج إلى محامٍ متخصص في عقود المقاولات عند إعداد الشروط الخاصة لصيغة FIDIC أو مراجعتها، وعند إدارة المطالبات أثناء التنفيذ، وعند نشوء نزاع حول التأخير أو العيوب أو مصادرة الضمانات. تقدم شركة محمود عادل الثمالي للمحاماة خدمات صياغة ومراجعة عقود الإنشاءات وتمثيل المقاولين وأصحاب العمل في التحكيم والتقاضي ضمن ممارسة قطاع المقاولات. يمكنك حجز استشارة قبل التوقيع على العقد أو عند أول إخطار بمطالبة.
هذا المقال للتوعية العامة ولا يُعد استشارة قانونية لحالتك.
أسئلة شائعة
هل عقود FIDIC معتمدة قانونيًا في السعودية؟
صيغ FIDIC ليست نظامًا بل نماذج تعاقدية، ويجوز للأطراف اعتمادها في العقود الخاصة باعتبار أن العقد شريعة المتعاقدين. غير أن بنودها تخضع لأحكام نظام المعاملات المدنية الآمرة، وفي العقود الحكومية يلزم الالتزام بنماذج العقود المعتمدة بموجب نظام المنافسات والمشتريات الحكومية.
هل يستطيع القاضي السعودي تعديل التعويضات المحددة عن التأخير في عقد FIDIC؟
نعم. يقرر نظام المعاملات المدنية أن التعويض الاتفاقي (الشرط الجزائي) يجوز للقاضي تخفيضه إذا كان مبالغًا فيه بدرجة كبيرة أو إذا لم يقع ضرر، ويجوز زيادته في أحوال محددة كالغش أو الخطأ الجسيم. لذلك ينبغي بناء بند التعويضات على تقدير موثق للضرر المتوقع.
هل تحل فترة الإخطار بالعيوب في FIDIC محل مسؤولية المقاول عن سلامة البناء؟
لا. فترة الإخطار بالعيوب التزام تعاقدي بإصلاح العيوب التي تظهر بعد التسلم خلال مدة محددة، بينما مسؤولية المقاول والمهندس عن تهدم البناء وعيوبه الجسيمة مقررة بنظام المعاملات المدنية لمدة يحددها النظام، ويقع باطلًا كل شرط يعفي منها. والفترتان تعملان معًا.
هل يجوز التحكيم في عقد مقاولة مع جهة حكومية سعودية؟
يجوز بشروط. يشترط نظام المنافسات والمشتريات الحكومية ونظام التحكيم الحصول على موافقة الجهة المختصة قبل الاتفاق على التحكيم في العقود الحكومية، وتسري على ذلك اللائحة التنفيذية. أما عقود القطاع الخاص فيكفي فيها اتفاق تحكيم مكتوب وصحيح.
المصادر
- نظام المعاملات المدنية — المرسوم الملكي رقم (م/191) وتاريخ 29/11/1444هـ (أم القرى)
- المركز السعودي للتحكيم التجاري
- FIDIC — الاتحاد الدولي للمهندسين الاستشاريين
تحتاج إلى رأي قانوني في حالتك؟
احجز استشارة مع الفريق المختص، ويصل طلبك مباشرة إلى المحامي المسؤول عن القطاع.